البيت ومفتاحه …. مصر والعسكر

     من يطل على مصر الآن يرى تاريخين يصطرعان  وزمنين  ينفصلان وليلاً  ينسلخ  منه النهار وئيدا  : يرى أكثر من ستين عاما من الحكم ً تحت ظل العسكريين  وقبلها عقوداً من الاحتلال والاستبداد ويرى – أيضاً – ملامح فجر جديد يتراءى للناظرين  فى غبش ٍ حيناً وفى جلاءٍ حيناً آخر .

     إلا أن أكثر ما يلفت الانتباه أمور : –

1-     أن العسكر ( أقصد القيادات العسكرية  )  كان لهم طوال التاريخ السابق وضع خاص ، ومزايا جعلت منهم فى كثير من الأحيان ما يشبه الطبقة الاجتماعية ذات المصالح المشتركة التى عملت الأحداث على مدار العقود والعهود السابقة على ترسيخها ، وعُدّ الانتساب لأىّ من الجهات العسكرية باباً للولوج إلى عالم الحكام لا المحكومين ؛ لذلك عنيت المؤسسة العسكرية فى مراحل التسلط  على انتقاء من سيكونون أعضاء فى هيئتها من نفس الخلفية الاجتماعية التى تضمن لهم الانسجام الداخلى والتواصى بالاستمرار وفق النمط القائم فعلاً ، حتى إن غير هؤلاء من الفئات الاجتماعية – إذا أرادت أن ينتسب أبناؤها للمؤسسة العسكرية – كان عليهم أن يحتالوا إما بمالٍ يشترون به صك أهليتهم ،  أو بوساطات وشفاعات تزكيهم أمام الهيئة العسكرية ، وعادة ما تخفى  هذه العلاقات حجماً هائلاً من الفساد المسكوت عنه والمتواصى به والمتواطأ عليه من الأطراف جميعاً ، لم ينافسهم فى مثل هذا القدر من الفئوية والشللية إلا هيئة الشرطة وهم من هم انحرافاً وفساداً وتكريساً للاستبداد والدفاع عنه .

2-      ليس مستغرباً – إذاً – أن تكون إدارتهم للبلاد فى المرحلة الانتقالية إدارة هوى يميل بهم حيث مصالحهم التى باتت فى خطر حقيقى ، وأنهم إذا اضطروا  فى النهاية إلى التخلى لا عن السلطة وحدها بل عن دورهم المتسلط على إدارة  الحياة  فى مصر ؛فإنهم كمن يريد أن يسلم البيت لأصحابه وأهله بعدما ثاروا يطالبون به لكن على أن يبقى المفتاح فى جيبه ، وهذا ما يفسر لنا بعض التصريحات التى قد تبدو متناقضة كتصريح ” كارتر ” الأخير أن المجلس العسكرى لا يرغب فى تسليم السلطة لمدنيين ، وتصريحات أخرى من المجلس والدوائر القريبة منه تؤكد عزمهم نقل السلطة للمدنيين وبين الاثنين يمكننا استشراف  أن المجلس لن يسلّم السلطة بسهولة ، وأنه يرغب بشدة فى أن يصاغ الدستور الجديد فى ظل وجوده فى إدارة شئون البلاد ليضمن إملاء ما يكفل له وضعاً خاصاً فى المستقبل يحميه من المساءلة ، ويحافظ على مكتسباته أو قل منتهباته عبر العقود السابقة هذا إن لم يستطع أن يكون له دور فاعل فى الحياة السياسية عبر صياغات دستورية وتسويغات قد تتخذ بعض التيارات مطية لتمريرها .

3-     إذاً – فهل يكون ما يريده العسكر ؟ الإجابة ليست عند العسكر – وحدهم – بقدر ما هى – أيضاً – عند الشعب وانحيازاته وأعنى هنا بالشعب تلك الجموع المتحركة المؤمنة بفكرتها النشطة الفعالة التى صنعت وما زالت تصنع الأحداث ، والإجابة تعتمد على ميزان القوى ، والميزان فى الميدان والميادين جميعاً وهذه فترة – ما بعد الانتخابات – هدوء الناس فيها وانحسار موجهم لا يحقق إلا مصلحة العسكر وتطلعاتهم ، وفى حراكهم بركة العمل الحارس لكل مقصد نبيل ، ماذا نتوقع  إن اختل ميزان القوة بانحسار الناس لصالح المجلس ؟ لا أتوقع إلا تسلط العسكر على مجلس الشعب وعقد صفقة هنا وصفقة هناك حتى يخرجون  بما أرادوا وما دام معهم السلاح والسلطان والشارع لهم لن يصمد لهم البرلمان إلا بمقدار  حركة الناس فى الميادين وصمودهم ووعيهم بما يراد منهم ولهم ، فهل أبالغ إذا قلت :  إنّ مجلس الشعب استمد شرعية وجوده وميلاده من الانتخابات لكنه – أبداً لن يستمد بوصلة اتجاهه ، ولا عزيمة  قراره إلا الميدان : الظهير الذى يحميه من افتئات العسكرى وتغوّل سلاحه فى وجه شرعية الشعب المنتخبة ؟

4-     أمامنا – مفصل تاريخى قد لا يتكرر ولحظة فارقة قد لا نعيش لنشهد غيرها – إن نحن أفلتناها – أمامنا فرصة لتنحية العسكر نهائياً عن التسلط على رقابنا من أمام الستار أو حتى من خلفه ،وفى هذا الضمان كله لمستقبل نرضاه لأبنائنا وأحفادنا وهذا لن يكون إلا بأن يكون مجلس الشعب امتداداً للميدان ولسنه المبين المفصح والمنفذ لإرادته ، وأن يكون الميدان بل الميادين كلها ظهراً للبرلمان عليه يتكئ وبه يلوح فى وجه العسكر إن هم حاولوا نقض إرادة الشعب .

ا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s